﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾... هكذا فهمها آية الشيخ محمد باقر الناصري( طيب الله ثراه)

التاريخ
111111

انقضت أيام عاشوراء، لكن رسالتها لا تنقضي، وانتهت مراسم العزاء، إلا أن مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) تبقى حيةً في ضمير الأمة، تستنهض المؤمنين لتحويل الشعائر إلى سلوك، والعاطفة إلى مسؤولية، والحزن إلى عملٍ وإصلاح.

ومن أبرز ميادين هذا الإصلاح ما أولاه القرآن الكريم عنايةً خاصة، وهو رعاية الأيتام وبناء مستقبلهم، إذ يقول سبحانه وتعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾.
إن المتأمل في هذه الآية الكريمة يدرك أن القرآن لم يجعل قضية اليتيم مقتصرة على الإطعام أو الكسوة أو تقديم المساعدة المالية، بل ارتقى بها إلى مفهوم أشمل وأعمق، هو الإصلاح.
والإصلاح هنا ليس كلمةً عابرة، وإنما مشروع حضاري متكامل؛ إصلاحٌ للعقيدة، وإصلاحٌ للتربية، وإصلاحٌ للتعليم، وإصلاحٌ للسلوك، وإصلاحٌ للنفس، وإصلاحٌ للعلاقات الاجتماعية، وإصلاحٌ للمستقبل، حتى ينشأ اليتيم إنساناً صالحاً، واثقاً بنفسه، قادراً على الاندماج في المجتمع، بعيداً عن الجهل والانحراف والحرمان.
وهذا هو الفهم القرآني العميق الذي آمن به المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، فلم يتعامل مع هذه الآية على أنها تفسير يُقرأ أو يُتلى في المجالس، بل رسالة ربانية ينبغي أن تتحول إلى مشروع عملي يغيّر حياة الأيتام.
ومنذ عقود طويلة، حمل الشيخ الناصري هذا الحلم، وجعله واحداً من الأهداف الرئيسة لجمعية التضامن الإسلامي، مؤمناً بأن اليتيم لا يحتاج إلى الإعانة المادية وحدها، بل يحتاج إلى الإصلاح الشامل، الذي يبني شخصيته، ويحفظ كرامته، ويصنع مستقبله.
ولما تهيأت الظروف بعد عام 2003، تحوّل ذلك الحلم إلى واقع، فانطلقت أول مدرسة مخصصة للأيتام في قضاء الجبايش، لتكون اللبنة الأولى في مشروع تربوي وإنساني أخذ يتوسع عاماً بعد عام، حتى أصبحت مدارس التضامن اليوم تضم عشر مدارس ابتدائية موزعة في أقضية ونواحي محافظة ذي قار، تحتضن أبناء الأيتام، وتوفر لهم التعليم، والرعاية النفسية والاجتماعية، والتنشئة الأخلاقية، وتسهم في دمجهم في المجتمع، ليكونوا عناصر فاعلة في بناء وطنهم وخدمة مجتمعهم.
لقد كان الشيخ الناصري يرى أن اليتيم لا يريد أن يعيش على هامش الحياة، بل يريد فرصةً عادلةً ليكون طبيباً، أو مهندساً، أو معلماً، أو عالماً، أو مبدعاً في أي ميدان من ميادين الحياة. ولذلك كان يؤكد أن الكفالة الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان، وأن المدرسة هي الحصن الذي يحمي اليتيم من الجهل، والانحراف، والتشرد، واليأس.
وهكذا أصبحت مبرات التضامن لرعاية وتأهيل الأيتام ترجمةً عمليةً لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾، فكان الإصلاح فيها منهجاً، والتعليم رسالة، والرعاية مسؤولية، وبناء الإنسان غاية.
وبعد أن ودّعت الأمة أيام عاشوراء، تبقى مسؤولية ترجمة مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) إلى واقع عملي قائمة، فلا يقتصر الوفاء لرسالته على إقامة الشعائر والمجالس، على جلالتها وعظيم شأنها، وإنما يتجسد أيضاً في مشاريع الإصلاح التي تحفظ الإنسان، وتصون كرامته، وتفتح أبواب الأمل أمام الضعفاء والمحرومين.
إن رعاية اليتيم ليست عملاً خيرياً فحسب، بل هي مسؤولية قرآنية، ورسالة حسينية، وأمانة أخلاقية في أعناق المجتمع، وهي من أسمى صور الإصلاح الذي دعا إليه القرآن الكريم، وجسدته سيرة النبي الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام).
رحم الله آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، الذي قرأ قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ بعين الرسالة، فحوّلها من تفسير يُتلى إلى مشروع يُبنى، ومن كلماتٍ في كتاب الله إلى مؤسسات تربوية وإنسانية تحتضن الأيتام، وتزرع في نفوسهم الأمل، وتصنع منهم جيلاً يحمل العلم والإيمان والكرامة.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه عن الأيتام وأسرهم خير الجزاء، وأن يجعل ما أسسه من مشاريع إنسانية وتربوية صدقةً جاريةً لا ينقطع أجرها إلى يوم القيامة.
الفاتحة المباركة إلى روح المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، وإلى أرواح شهداء الإسلام، ولا سيما سيد الشهداء الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام).

محمد الناصري