قراءات قرآنية وفكرية في بناء الإنسان - الحلقة الأولى لماذا اختيرت كلمة «الرعاية» ولم تُختر كلمة «الكفالة»؟

سلسلة: فلسفة مبرات التضامن

التاريخ
733992944_1316593580631898_7632449347649449766_n

*سلسلة: فلسفة مبرات التضامن*

قراءات قرآنية وفكرية في بناء الإنسان - الحلقة الأولى
*لماذا اختيرت كلمة «الرعاية» ولم تُختر كلمة «الكفالة»؟*
ليست الأسماء في المشاريع الرسالية ألفاظاً تُختار اعتباطاً، وإنما هي تعبير عن رؤية، ومنهج، ورسالة. ومن هذا المنطلق، فإن اسم «مبرات التضامن لرعاية وتأهيل الأيتام» لم يكن مجرد عنوان لمؤسسة، بل كان مشروعاً فكرياً وإنسانياً استلهم فلسفته من القرآن الكريم.
لقد درج المسلمون على استخدام مصطلح «كفالة اليتيم»، وهو مصطلح أصيل في الشريعة الإسلامية، حثّ عليه النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) بقوله:
«أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»
وأشار بالسبابة والوسطى.
فالكفالة تعني تحمل مسؤولية اليتيم، وتأمين احتياجاته الأساسية، وحفظه من العوز والضياع، وهي من أعظم القربات إلى الله تعالى.
إلا أن القرآن الكريم عندما سُئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن اليتامى، لم يكن الجواب بالإنفاق أو الإطعام أو الكسوة، وإنما قال سبحانه:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾
وهنا تتجلى عظمة المنهج القرآني؛ إذ لم يختصر مسؤوليتنا تجاه اليتيم في إعانته، بل جعل الغاية الكبرى هي إصلاحه.
فالإصلاح مفهوم شامل، يبدأ من بناء العقيدة، ويمر بالتربية والتعليم، ويشمل الأخلاق والسلوك، ويعزز الثقة بالنفس، ويهيئ اليتيم ليكون إنساناً صالحاً وعضواً فاعلاً في مجتمعه.
ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين الكفالة والرعاية.
فالكفالة قد تؤمّن احتياجات اليتيم، أما الرعاية فهي مشروع متكامل لبناء شخصيته وصناعة مستقبله.
ولعل من أهم أسباب اختيار كلمة «الرعاية» في اسم المبرات، أن الكفالة في معناها الشرعي ترتبط غالباً بمرحلة اليُتم، إذ يقول تعالى:
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ...﴾
(سورة النساء: 6).
فبانتهاء مرحلة اليُتم تنتهي أحكام الكفالة الخاصة، أما الرعاية فلا تقف عند عمرٍ معين، لأنها ليست مرتبطة بسنّ الإنسان، بل بحاجة الإنسان إلى البناء والتوجيه والتأهيل.
ولهذا لم يكن الهدف في فكر المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه) أن يبقى اليتيم متلقياً للمساعدة، بل أن يصبح إنساناً قادراً على الاعتماد على نفسه، نافعاً لدينه ووطنه ومجتمعه.
ومن هنا جاء اسم «مبرات التضامن لرعاية وتأهيل الأيتام»، ليعبّر عن رسالة تتجاوز حدود الكفالة إلى صناعة الإنسان.
فالرعاية تعني:
رعاية التعليم.
رعاية الأخلاق.
رعاية القيم.
رعاية الصحة النفسية.
رعاية المواهب.
رعاية الاندماج في المجتمع.
ثم تأهيل اليتيم ليكون قادراً على بناء مستقبله بنفسه.
إنها رؤية مستوحاة من القرآن الكريم، تجعل اليتيم مشروع إصلاح، لا مجرد مشروع إعانة.
ولذلك يمكن أن نختصر فلسفة المبرات في عبارة واحدة:
الكفالة تحفظ حياة اليتيم... أما الرعاية فتصنع حياته.
وهذه هي الرسالة التي آمن بها مؤسس المشروع، وسعى إلى تجسيدها على أرض الواقع من خلال مدارس ومبرات لم تكتفِ بتقديم العون، بل عملت على بناء الإنسان، ليكون اليتيم عنصراً صالحاً ومنتجاً في المجتمع.
نسأل الله تعالى أن يتغمد مؤسس هذا المشروع المبارك، المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، بواسع رحمته، وأن يجعل ما أسسه من أعمالٍ إنسانيةٍ وتربويةٍ في ميزان حسناته، وأن يوفق جميع العاملين على مواصلة هذه الرسالة المباركة.

بقلم: محمد الحسيناوي

يتبع...

الحلقة الثانية:

لماذا أضيفت كلمة «التأهيل» إلى «الرعاية»؟ وهل تكفي الرعاية وحدها لبناء الإنسان؟