لماذا أضيفت كلمة «التأهيل» إلى «الرعاية» وهل تكفي الرعاية وحدها لبناء الإنسان؟ /الحلقة الثانية

سلسلة: فلسفة مبرات التضامن /قراءات قرآنية وفكرية في رعاية وبناء الإنسان

التاريخ
111111

*سلسلة: فلسفة مبرات التضامن*

قراءات قرآنية وفكرية في رعاية وبناء الإنسان
الحلقة الثانية
لماذا أضيفت كلمة «التأهيل» إلى «الرعاية» وهل تكفي الرعاية وحدها لبناء الإنسان؟
في الحلقة السابقة بينّا أن القرآن الكريم لم يحصر مسؤوليته تجاه اليتيم في الكفالة، بل ارتقى بها إلى مفهوم الرعاية؛ لأنها تعني الاحتضان، والمتابعة، والتربية، وبناء الشخصية.
غير أن اسم المشروع لم يتوقف عند هذا الحد، بل جاء أكثر دقة وعمقاً، فحمل عنوان «مبرات التضامن لرعاية وتأهيل الأيتام».
وهنا يبرز سؤال مهم:
إذا كانت الرعاية تحقق الغاية، فلماذا أضيفت كلمة «التأهيل»؟
إن الجواب يكشف جانباً مهماً من فلسفة هذا المشروع.
فالرعاية، مهما بلغت من الشمول، تبقى في جوهرها عملية حفظٍ وتنميةٍ ومتابعة، أما التأهيل فهو مرحلة إعداد الإنسان ليصبح قادراً على الاعتماد على نفسه، وممارسة دوره في الحياة بكفاءة واقتدار.
إن الرعاية تحيط الإنسان بالعناية...
أما التأهيل فيمنحه القدرة على أن يعيش مستقلاً، ويشارك في بناء المجتمع.
ولهذا لم يكن التأهيل إضافةً لغوية إلى اسم المبرات، بل كان إعلاناً عن غاية المشروع.
فالغاية ليست أن يبقى اليتيم محتاجاً إلى الرعاية طوال حياته، وإنما أن تتحول الرعاية إلى قوة داخلية، تمكنه من أن يقف بثبات، ويشق طريقه بنفسه
وهذا المفهوم يجد جذوره في القرآن الكريم.
فالله سبحانه وتعالى لم يجعل الإنسان مخلوقاً يعتمد على غيره، وإنما خلقه ليكون خليفةً في الأرض، قال تعالى:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
والخلافة في الأرض لا تتحقق إلا بإنسان مؤهل، يمتلك العلم، والخلق، والوعي، والقدرة على تحمل المسؤولية.
ومن هنا، فإن تأهيل اليتيم ليس ترفاً تربوياً، بل هو تحقيق للغاية التي أرادها الله للإنسان.
وقد جسد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا المنهج في بناء الإنسان؛ فلم يكن يكتفي برعاية أصحابه، بل كان يؤهلهم لحمل الرسالة، حتى أصبحوا دعاةً وقادةً ومعلمين.
وسار أهل البيت (عليهم السلام) على النهج نفسه، فكانوا يصنعون الإنسان القادر على تحمل المسؤولية، لا الإنسان الذي ينتظرها من الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن التأهيل في فلسفة مبرات التضامن لا يقتصر على التعليم المدرسي، بل يمتد إلى بناء الشخصية، وغرس القيم، وتنمية المواهب، وتعزيز الثقة بالنفس، وإعداد اليتيم ليكون قادراً على اتخاذ القرار، ومواجهة تحديات الحياة، والإسهام في خدمة وطنه ومجتمعه.
إن المدرسة في هذا المشروع ليست مكاناً لتلقي الدروس فحسب، وإنما بيئة لصناعة الإنسان.
ولذلك لم يكن نجاح المبرات يقاس بعدد التلاميذ الذين التحقوا بها، بل بعدد الشباب الذين خرجوا منها وهم يحملون علماً، وأخلاقاً، وانتماءً، وثقةً بالنفس، وقدرةً على صناعة مستقبلهم.
إن الرعاية بلا تأهيل قد تُبقي الإنسان معتمداً على غيره.
أما الرعاية التي تنتهي بالتأهيل، فإنها تصنع إنساناً مستقلاً، يتحول من متلقٍ للعطاء إلى صانعٍ للعطاء، ومن محتاجٍ إلى الرعاية إلى شريكٍ في رعاية الآخرين.
وهنا تتجلى حكمة اختيار هذا الاسم؛ فالرعاية كانت البداية، أما التأهيل فهو الغاية.
ولهذا لم يكن مشروع المبرات مشروع إعانة، بل مشروع بناء إنسان.
وفي هذا تتجسد رؤية المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، الذي آمن بأن أفضل ما يقدم لليتيم ليس ما يُستهلك في يوم، وإنما ما يبقى معه مدى الحياة: العلم، والتربية، والتأهيل، وبناء الشخصية.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لرسالة المبرات؛ أن تصنع جيلاً لا يعيش على ما يُقدَّم له، بل على ما أصبح يمتلكه من علمٍ، وقيمٍ، وكفاءة، وقدرة على خدمة المجتمع.

بقلم: محمد الحسيناوي

يتبع...

الحلقة الثالثة

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾

كيف تحولت آية قرآنية إلى مشروع إصلاحي؟