البرامج الإنسانية... كيف تجاوزت المبرات حدود المدرسة إلى صناعة الإنسان؟ /الحلقة التاسعة
التاريخ

سلسلة فلسفة مبرات التضامن
من التجربة إلى الرسالة
الجزء الثاني
الحلقة التاسعة
البرامج الإنسانية... كيف تجاوزت المبرات حدود المدرسة إلى صناعة الإنسان؟
بقلم: محمد الحسيناوي
في الحلقة السابقة تعرفنا على اللجان التنفيذية التي تمثل الأذرع الميدانية لمبرات التضامن، وكيف تحولت الخطط والقرارات الإدارية إلى منظومة عمل مؤسسي متكاملة، تتوزع فيها المسؤوليات وتتحد فيها الجهود لتحقيق رسالة واحدة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو:
*ما الذي قدمته هذه المنظومة على أرض الواقع؟*
إن قيمة أي مؤسسة لا تُقاس بعدد لجانها أو هيكليتها الإدارية، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الإنسان. ومن هنا لم تنظر مبرات التضامن إلى اليتيم بوصفه طالباً يحتاج إلى مقعد دراسي فحسب، بل إنساناً يحتاج إلى التربية، والتعليم، والصحة، والغذاء، والكسوة، والرعاية النفسية والاجتماعية، حتى يصبح قادراً على بناء مستقبله وخدمة مجتمعه.
ولهذا جاءت برامج المبرات لتشكل منظومة إنسانية متكاملة ترافق اليتيم في مختلف مراحل حياته، بل تجاوزت رسالتها حدود مدارسها لتخدم المجتمع بأسره.
*أولاً: مركز التضامن التخصصي لتقويم النطق... حين اتسعت الرسالة لتشمل الجميع*
لعل من أبرز المشاريع الإنسانية التي جسدت رسالة المبرات خارج إطار مدارسها مركز التضامن التخصصي لتقويم النطق.
فهذا المركز لم يُنشأ لخدمة أبناء المبرات وحدهم، وإنما فُتحت أبوابه أمام جميع الأطفال الذين يعانون من اضطرابات النطق أو التأخر اللغوي، سواء من محافظة ذي قار أو من المحافظات الأخرى.
ويعمل فيه أساتذة ومتخصصون وفق برامج علاجية وتأهيلية تمتد لعدة أشهر، بالتعاون مع الأسرة، لمعالجة حالات ضعف مخارج الحروف، والتأتأة، والأطفال الذين أجريت لهم عمليات زراعة القوقعة (غرسة حلزون الأذن)، وغيرها من الحالات التي تحتاج إلى متابعة علمية متخصصة.
وقد نجح المركز، منذ تأسيسه، في علاج مئات الحالات، ليصبح أحد المشاريع الرائدة التي تؤكد أن رسالة مبرات التضامن لم تتوقف عند رعاية الأيتام، وإنما امتدت لتكون رسالة إنسانية تخدم المجتمع كله.
*ثانياً: التعليم... الركيزة الأولى في صناعة الإنسان*
منذ تأسيس مدارس التضامن، كان التعليم يمثل حجر الأساس في فلسفة المبرات.
ولهذا اعتمدت المدارس المنهج الرسمي المقرر من وزارة التربية العراقية، وخضعت للإشراف المباشر للمديرية العامة لتربية محافظة ذي قار، شأنها شأن بقية المدارس الحكومية، مع توفير بيئة تربوية خاصة تراعي الظروف النفسية والاجتماعية للأيتام، وتمنحهم الرعاية التي يحتاجونها إلى جانب التعليم.
وقد وجد المسؤولون التربويون في هذه المدارس تجربة إنسانية متميزة تجمع بين الالتزام بالمناهج الرسمية، والاهتمام بالبعد التربوي والأخلاقي، بما يعزز شخصية التلميذ ويمنحه الثقة بنفسه.
*ثالثاً: التغذية... لأن العقل السليم يحتاج إلى غذاء سليم*
آمنت المبرات بأن نجاح العملية التعليمية يبدأ من تلبية الاحتياجات الأساسية للطفل.
ولهذا حرصت على تقديم وجبة الإفطار صباح كل يوم دراسي، ليبدأ التلميذ يومه بنشاط وحيوية، انطلاقاً من قناعة تربوية بأن الطفل الذي يعاني الجوع لا يستطيع أن يتفاعل مع دروسه أو يحقق النجاح الذي يستحقه.
*رابعاً: البرنامج الصحي... رعاية لا تتوقف عند حدود المدرسة*
إلى جانب التربية والتعليم، أولت المبرات اهتماماً بالغاً بصحة التلاميذ وأسرهم، من خلال توفير العلاج المجاني، والتعاون مع نخبة من الأطباء والصيدليات والعيادات، والمساهمة في تكاليف العلاج والعمليات الجراحية والرقود في المستشفيات عند الحاجة.
فالإنسان السليم صحياً هو الأقدر على مواصلة طريقه العلمي والحياتي.
*خامساً: الكسوة... فرحة تسبق العيد*
عاهدت إدارة المبرات نفسها منذ تأسيسها ألا يأتي عيد، ولا يبدأ عام دراسي، إلا ويصل إلى أبناء المبرات ما يحتاجونه من الملابس.
فكانت الكسوة جزءاً ثابتاً من برامج الرعاية، تشمل الملابس المدرسية، والملابس الشتوية والصيفية، إضافة إلى ما يقدمه أهل الخير من تبرعات عينية، لتبقى الابتسامة حاضرة في وجوه الأيتام في كل مناسبة.
*سادساً: البرنامج الصيفي... استثمار العطلة في بناء المستقبل*
لم تكن العطلة الصيفية فترة توقف عن التعلم، بل فرصة جديدة للتطوير.
ولهذا نظمت المبرات برامج صيفية تضمنت دروس التقوية، والاستعداد للامتحانات، ودورات الحاسوب، والأنشطة الثقافية والترفيهية، بما يسهم في تنمية قدرات التلاميذ واستثمار أوقاتهم.
*سابعاً: البرنامج الترفيهي... لأن الطفولة تحتاج إلى الفرح*
إيماناً بأن التربية لا تكتمل بالدرس وحده، خصصت المبرات مساحة للترفيه، من خلال الرحلات داخل المحافظة وخارجها، وزيارات العتبات المقدسة، ومدن الألعاب، والمواقع الأثرية، لتمنح الأطفال لحظات من الفرح والتوازن النفسي.
*ثامناً: الاحتفالات والمناسبات... ترسيخ الهوية وصناعة الفرح*
حرصت المبرات على أن يعيش اليتيم أجواء المناسبات الدينية والاجتماعية التي تعزز انتماءه وهويته، فأقامت الاحتفال السنوي الكبير بذكرى ولادة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، إضافة إلى الاحتفال السنوي بيوم اليتيم، فضلاً عن الفعاليات التي تنظمها مدارس التضامن في مختلف المناسبات الدينية والوطنية والتربوية، لتبقى هذه المناسبات محطاتٍ تبعث الفرح، وتعزز القيم، وتغرس روح الانتماء في نفوس الأبناء.
*تاسعاً: مشروع السلة الرمضانية... حين يمتد الخير إلى الأسرة*
قال تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾
وانطلاقاً من هذا المبدأ، أطلقت المبرات مشروع السلة الرمضانية، الذي استهدف توزيع 1000 سلة غذائية على عوائل الأيتام في أقضية ونواحي محافظة ذي قار.
وبلغت قيمة السلة الواحدة 25 ألف دينار عراقي، واشتملت على المواد الغذائية الأساسية، وأسهم في تمويلها أهل الخير والكفلاء، لتكون رسالة تكافل ورحمة في شهر رمضان المبارك.
عاشراً: رعاية الخريجين... لأن الرسالة لا تنتهي بالتخرج
لم تنقطع صلة المبرات بأبنائها بعد إنهاء الدراسة، بل استمرت في متابعتهم، وتقديم الدعم الشهري والعيني، وتنظيم اللقاءات الدورية، والاستماع إلى احتياجاتهم الدراسية والاجتماعية، حتى يستقروا في حياتهم العلمية والعملية.
*الحادي عشر: الحقوق الشرعية... ضمانة استدامة الرسالة*
قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾
اعتمدت مبرات التضامن في استمرار رسالتها الإنسانية على الخيرين والكفلاء والمتبرعين، إضافة إلى الحقوق الشرعية التي تُصرف إليها بإذن المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، من خلال الوصل الرسمي الصادر عن مكتبه، وبإشراف سماحة الشيخ محمد مهدي الناصري (حفظه الله)، بوصفه وكيلاً شرعياً ومتولياً شرعياً على مبرات التضامن.
وكان لهذا الدعم المبارك أثرٌ كبير في استدامة برامج المؤسسة، وضمان استمرار عطائها عاماً بعد عام.
لقد تنوعت برامج مبرات التضامن واتسعت مجالاتها، لكنها جميعاً انطلقت من هدف واحد، هو بناء الإنسان ورعايته في مختلف مراحل حياته، إيماناً بأن اليتيم لا يحتاج إلى مدرسة فحسب، بل إلى منظومة متكاملة تحتضنه، وتؤهله، وتمنحه الفرصة ليكون عضواً فاعلاً في مجتمعه.
غير أن هذه البرامج جميعها لم تكن لتؤتي ثمارها لولا وجود البيئة التي احتضنتها، وهي مدارس التضامن، التي أصبحت الميدان الحقيقي لتجسيد هذه الرسالة الإنسانية.
يتبع...
الحلقة العاشرة
مدارس التضامن... حيث تتحول الفلسفة إلى واقع
محمد الحسيناوي
أخر النشاطات
سلسلة فلسفة مبرات التضامنالجزء الثانيمن التجربة إلى الرسالةقراءات في بناء...





