اللجان التنفيذية... حين تتحول القرارات إلى عملٍ مؤسسي/الحلقة الثامنة

التاريخ
111111

سلسلة فلسفة مبرات التضامن

من التجربة إلى الرسالة

الجزء الثاني

الحلقة الثامنة

اللجان التنفيذية... حين تتحول القرارات إلى عملٍ مؤسسي

بقلم: محمد الحسيناوي
لم يكن بناء الهيكلية الإدارية لمبرات التضامن هدفاً بحد ذاته، بل كان خطوة أولى في تأسيس مؤسسة تؤمن بأن العمل الإنساني لا ينجح بالنوايا الحسنة وحدها، وإنما يحتاج إلى قيادة واعية، وتخطيط دقيق، ومنظومة متكاملة قادرة على تحويل الأفكار إلى واقع، والقرارات إلى أثرٍ يلامس حياة الأيتام.
وفي الحلقة السابقة تناولنا الكيفية التي تشكلت بها القيادة الإدارية للمبرات بعد العودة إلى العراق، ابتداءً من المشرف العام، ثم المدير التنفيذي، فالهيئة الإدارية التي تتولى رسم السياسات، ووضع الخطط، ودراسة الاحتياجات، واتخاذ القرارات.
غير أن القرار، مهما بلغت دقته، يبقى فكرةً ما لم يجد من يتابع تنفيذه، ويعالج معوقاته، ويقوده إلى الميدان. ومن هنا برزت أهمية إدارة مكتب المبرات واللجان التنفيذية، لتكتمل بذلك منظومة العمل المؤسسي.
إدارة مكتب المبرات... القلب التنفيذي للمؤسسة
تمثل إدارة مكتب مبرات التضامن المركز التنفيذي اليومي للمؤسسة، فهي الجهة التي تلتقي عندها أعمال الهيئة الإدارية، واللجان التنفيذية، وإدارات المدارس، بما يضمن وحدة الأداء وحسن تنفيذ الخطط.
ويتولى مسؤول المكتب متابعة سير العمل الإداري بصورة مستمرة، واستلام التقارير الدورية من إدارات المدارس، ومتابعة نتائج التلاميذ ومستوياتهم الدراسية، ورصد المعوقات الرئيسة التي قد تواجه المدارس أو اللجان، والعمل على معالجتها بالتنسيق مع الهيئة الإدارية، فضلاً عن متابعة تنفيذ القرارات وتحويلها إلى واقع عملي.
وبذلك أصبح مكتب المبرات حلقة الوصل التي تربط القيادة بالميدان، وتحافظ على انسجام العمل بين جميع مفاصل المؤسسة.
اللجان التنفيذية... تخصص يقود إلى التكامل
وانطلاقاً من قناعة راسخة بأن العمل المؤسسي لا ينهض إلا بالتخصص، شُكلت اللجان التنفيذية لتكون الأذرع الميدانية التي تحمل مسؤولية تنفيذ خطط المؤسسة، كلٌّ في ميدانه، ضمن رؤية واحدة ورسالة واحدة.
ففي الميدان التربوي، تضطلع لجنة التربية والتعليم بمتابعة العملية التعليمية، والتنسيق مع مديرية تربية محافظة ذي قار، والإشراف على البرامج التربوية والأنشطة العلمية، بما يضمن تطور الأداء التعليمي في مدارس التضامن.
أما اللجنة الإعلامية، فقد حملت مسؤولية توثيق التجربة الإنسانية للمبرات، ونقل رسالتها إلى المجتمع، عبر التغطيات الصحفية، والمنصات الرقمية، والإصدارات الإعلامية، لتبقى مسيرة المؤسسة حاضرة في ذاكرة المجتمع.
وفي الميدان الخدمي والإنشائي، برزت لجنة الصيانة والخدمات بوصفها إحدى أكثر اللجان حضوراً في مسيرة المبرات، إذ لم يقتصر دورها على متابعة أعمال الصيانة وتوفير الخدمات والمستلزمات، بل امتد إلى تشييد وبناء عدد من مدارس التضامن، وإنشاء القاعات الدراسية الإضافية، وتنفيذ الملاعب الخماسية في عدد من المدارس، فضلاً عن تجهيز المدارس وتهيئة احتياجاتها اللوجستية، لتكون شريكاً أساسياً في بناء البيئة التعليمية المناسبة لاستقرار العملية التربوية وتطورها. وبذلك لم تعد هذه اللجنة تحافظ على الموجود فحسب، بل أسهمت في صناعة بنية تحتية جديدة رافقت توسع مبرات التضامن عاماً بعد عام.
أما اللجنة المالية، فتضطلع بتنظيم الموارد المالية، ومتابعة الإيرادات والمصروفات، والتنسيق مع المحاسب الرسمي، بما يضمن سلامة الإجراءات المالية وشفافية الإنفاق.
وفي جانب الرعاية المباشرة، جاءت لجنة الكفالات لتوثق الصلة بين الكفلاء والأيتام، وتنظم ملفاتهم، وتتابع استمرارية الكفالات، بما يحقق الاستقرار المعيشي للمستفيدين.
ولم تغفل المؤسسة الجانب الصحي، فكانت لجنة الرعاية الصحية مسؤولة عن متابعة الحالات المرضية، وتوفير العلاج والدواء، والمساهمة في تغطية تكاليف العلاج والرقود في المستشفيات، إيماناً بأن الرعاية الحقيقية تبدأ بصحة الإنسان.
وامتدت رسالة المبرات إلى ما بعد التخرج، عبر لجنة رعاية الخريجين، التي حافظت على التواصل مع أبناء المبرات، وقدمت لهم أشكالاً متعددة من الدعم العلمي والاجتماعي، ليبقى انتماؤهم للمؤسسة ممتداً حتى بعد مغادرتهم مقاعد الدراسة.
ومع تطور العمل المؤسسي، برز دور لجنة البرمجة والتقنيات الإلكترونية، التي أسهمت في بناء قواعد البيانات، وتطوير الأنظمة الإدارية، وأتمتة الإجراءات، بما رفع من كفاءة الأداء، وسهّل إدارة المؤسسة وفق متطلبات العصر.
ومن المبادرات التي تجسد عمق العلاقة بين المبرات والمجتمع، لجنة صناديق الصدقات، التي لم يقتصر دورها على توزيع الصناديق وجبايتها، بل تحولت إلى مشروع إنساني يعزز التكافل الاجتماعي، إذ أسهمت واردات هذه الصناديق في دعم عوائل الأيتام الأكثر حاجة، من خلال توفير الاحتياجات الأساسية، ولا سيما الأجهزة المنزلية والمستلزمات المعيشية الضرورية، ليعود خير أبناء كل منطقة إلى عوائل الأيتام في تلك المنطقة، في صورة مشرقة من صور المسؤولية الاجتماعية والتراحم الإنساني.
ولم تكن هذه اللجان تعمل بمعزل عن القيادة الإدارية، بل ظل أعضاء الهيئة الإدارية يمثلون حلقة الارتباط المباشر مع إدارات المدارس، يتابعون احتياجاتها، ويشرفون على تنفيذ الخطط، وينقلون الملاحظات والمعوقات، لتبقى جميع مدارس التضامن تعمل بروح واحدة، رغم اتساع رقعتها وتعدد مواقعها.
وهكذا، لم تكن اللجان التنفيذية مجرد تشكيلات إدارية، وإنما كانت ترجمة عملية لفلسفة مبرات التضامن في العمل المؤسسي؛ حيث تتكامل الخبرات، وتتوزع المسؤوليات، وتتحول القرارات إلى إنجازات، لتبقى الرسالة الإنسانية عملاً مستداماً يخدم اليتيم، ويحفظ كرامته، ويصنع مستقبله.
يتبع...
الحلقة التاسعة
البرامج الإنسانية في مبرات التضامن... كيف تجاوزت المؤسسة حدود المدرسة إلى صناعة الإنسان؟

محمد الحسيناوي