الصدقة في أيام عاشوراء.. عطاء يواسي اليتم ويصنع الأثر في الدنيا والآخرة

التاريخ
111111

تأتي أيام عاشوراء من كل عام حاملةً معها دروساً عظيمة في التضحية والإيثار والرحمة والوقوف إلى جانب المظلومين والمحتاجين.

وحين نستذكر مأساة الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته الأطهار، فإننا لا نستحضر واقعة تاريخية فحسب، بل نستحضر مدرسة متكاملة في القيم الإنسانية والإيمانية التي تدعو إلى نصرة الضعفاء ورعاية المحتاجين وإغاثة الملهوفين.

ومن أعمق المشاهد التي تهز القلوب في واقعة كربلاء ما جرى على أطفال أهل البيت عليهم السلام من اليتم والفقد والحرمان بعد استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه عليهم السلام. ولذلك فإن رعاية الأيتام والإحسان إليهم تمثل في هذه الأيام المباركة صورة عملية من صور الوفاء لنهج أهل البيت عليهم السلام، وتجسيداً لقيم الرحمة التي نادى بها الإسلام.
إن الصدقة ليست مجرد مبلغ من المال يخرجه الإنسان من ماله، بل هي رسالة محبة وعطاء، وجسر يصل بين القلوب، وعمل مبارك يترك آثاره في حياة المعطي قبل أن يصل نفعه إلى المحتاج.
وقد حث القرآن الكريم على البذل والإنفاق في سبيل الله، فقال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
فالصدقة ليست خسارة في المال كما يتصور البعض، بل هي استثمار رابح عند الله تعالى، وذخر يبقى للإنسان يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
"الصدقة تدفع البلاء المبرم."
وقال صلى الله عليه وآله:
"داووا مرضاكم بالصدقة."
وروي عنه أيضاً:
"إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار."
وهذه الأحاديث الشريفة تكشف جانباً من آثار الصدقة في حياة الإنسان، فهي سبب لدفع البلاء، ووسيلة لنيل الرحمة الإلهية، وباب من أبواب تفريج الكروب والشدائد.
أما أهل البيت عليهم السلام فقد أولوا الصدقة عناية خاصة، لأنها تعبر عن حقيقة الإيمان وحضور الرحمة في قلب المؤمن.
فقد روي عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام:
"استنزلوا الرزق بالصدقة."
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
"الصدقة تقضي الدين وتخلف بالبركة."
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام:
"البر والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر."
إن آثار الصدقة لا تقتصر على الآخرة فحسب، بل تمتد إلى الدنيا أيضاً، فهي تبعث الطمأنينة في النفس، وتنشر روح المحبة بين أفراد المجتمع، وتخفف معاناة المحتاجين، وتسهم في معالجة الكثير من المشكلات الاجتماعية.
وحين تتوجه الصدقة إلى اليتيم فإن أثرها يتضاعف؛ لأنها تجمع بين أجر الصدقة وأجر كفالة اليتيم ورعايته. فاليتيم لا يحتاج إلى الدعم المادي فقط، بل يحتاج إلى الشعور بأن المجتمع لم ينسه، وأن هناك من يمد إليه يد الرحمة والمساندة.
ومن هنا تبرز أهمية أن نغرس ثقافة الصدقة في نفوس أبنائنا منذ الصغر، فلا نكتفي بتوجيههم بالكلام، بل نعلمهم ذلك بالممارسة العملية.
فمن الجميل أن يمنح الأب أو الأم أبناءهم مبلغاً يسيراً من المال، ثم يطلبوا منهم وضعه بأيديهم في صندوق الصدقات أو تسليمه إلى جهة خيرية أو التبرع به ليتيم أو محتاج. فهذه الممارسات البسيطة تزرع في نفوس الأطفال حب العطاء، وتجعلهم يشعرون منذ سنواتهم الأولى بلذة الإحسان إلى الآخرين.
كما يمكن اصطحاب الأبناء إلى المشاريع الخيرية والإنسانية، وتعريفهم بقصص الأيتام والمحتاجين، وإشراكهم في حملات التبرع والمبادرات التطوعية، ليكبروا وهم يحملون روح المسؤولية الاجتماعية والإنسانية.
إن المجتمعات لا تُبنى بالمال وحده، بل تُبنى بالقلوب الرحيمة والنفوس المعطاءة. والصدقة واحدة من أعظم الوسائل التي تربي الإنسان على البذل والإيثار والتواضع والشعور بالآخرين.
وفي هذه الأيام العاشورائية المباركة، حيث تفيض القلوب حباً للإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته الأطهار، فإن من أجمل صور إحياء هذه المناسبة أن تمتد الأيدي بالعطاء إلى الأيتام والفقراء والمحتاجين، وأن تتحول الدموع التي تُذرف حباً للحسين عليه السلام إلى أعمال رحمة وإحسان تنفع عباد الله.
فما أعظمها من صدقة تُدخل السرور على قلب يتيم، وما أعظمها من حسنة تبقى آثارها في الدنيا والآخرة، يوم يلقى الإنسان ربه فيجد أن ما أنفقه في سبيل الله لم يضع، بل ادخره الله له أضعافاً مضاعفة.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
فطوبى لأصحاب الأيادي البيضاء، وطوبى لمن جعل من عاشوراء موسماً للعطاء كما جعله موسماً للوفاء، وطوبى لمن واسى أيتام اليوم حباً لأيتام كربلاء، راجياً بذلك رضا الله تعالى وشفاعة محمد وآل محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام.

محمد الناصري

التاسع من محرم الحرام لعام ١٤٤٨ه