العمل التطوعي في مدارس التضامن.. نماذج مضيئة تصنع الأمل في حياة الأيتام

التاريخ
111111

ليس كل عطاء يقاس بالمال، فهناك عطاء يقدمه الإنسان من وقته وجهده وخبرته وإخلاصه، فيكون أثره أعمق وأبقى في النفوس. وهذا ما لمسناه بوضوح خلال الزيارات الميدانية التي أجراها وفد مكتب مبرات التضامن لرعاية وتأهيل الأيتام في ذي قار، برئاسة المشرف العام سماحة الشيخ محمد مهدي الناصري والمدير التنفيذي السيد محمد رضا الناصري وأعضاء الهيئة الإدارية، إلى مدارس التضامن المنتشرة في أقضية ونواحي المحافظة.

لقد كشفت تلك الزيارات عن صور مشرقة من العمل التطوعي الصادق، تؤكد أن الخير ما زال متجذراً في نفوس أبناء مجتمعنا، وأن خدمة الأيتام لا تزال تستقطب أصحاب القلوب الرحيمة والنفوس المؤمنة برسالتها الإنسانية.
ففي مدرسة التضامن السابعة للأيتام بقضاء الرفاعي، وقف الوفد أمام نموذج تربوي يستحق الإشادة والتقدير، يتمثل بأستاذ متقاعد يواصل الحضور إلى المدرسة لتقديم الدروس العلمية للتلاميذ الأيتام دون أجر أو مكافأة، مدفوعاً بإحساسه بالمسؤولية تجاه أبنائه الأيتام، مؤمناً بأن العلم رسالة قبل أن يكون وظيفة.
كما برزت نماذج أخرى للعمل التطوعي في مدرسة التضامن الثانية للأيتام بقضاء النصر، ومدرسة التضامن التاسعة للأيتام بقضاء الفهود، حيث يواصل عدد من العاملين والمتطوعين تقديم جهودهم المخلصة لخدمة الأيتام ومساندة الكوادر التربوية والإدارية، في مشهد يجسد أسمى معاني التكافل والتراحم الاجتماعي.
ولم يقتصر العطاء على الجانب التعليمي فقط، بل امتد إلى الاهتمام بالبنى التحتية للمدارس، إذ لمس الوفد حجم الجهود الكبيرة التي بذلها عدد من مديري مدارس التضامن الذين واظبوا على متابعة احتياجات المدارس وكتابة المخاطبات الرسمية ومراجعة الجهات المعنية وتحمل أعباء إضافية من أجل تحسين واقع الأبنية المدرسية وتوفير بيئة تعليمية مناسبة للأيتام.
هذه الجهود قد لا تظهر في الصور أو العناوين، لكنها تشكل في حقيقتها عملاً تطوعياً نبيلاً يسهم في بناء الحاضنة التربوية التي تحتضن أبناءنا الأيتام وتوفر لهم مستقبلاً أفضل.
إن مثل هذه المبادرات تترك أثراً مضاعفاً داخل المؤسسة؛ فهي لا تقدم خدمة مباشرة للأيتام فحسب، بل تمنح الكوادر العاملة جرعة إضافية من الحماس والثقة، وتبعث برسالة إلى المجتمع مفادها أن هذا المشروع الإنساني مشروع الجميع، وأن المساهمة فيه لا تقتصر على الدعم المالي وحده.
والعمل التطوعي ليس فكرة مستحدثة في مجتمعاتنا الإسلامية، بل هو أصل راسخ من أصول البناء الاجتماعي الذي دعا إليه القرآن الكريم وحثت عليه السنة النبوية الشريفة وأكدته سيرة أهل البيت عليهم السلام.
قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وقال سبحانه:
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.
فالقرآن الكريم يجعل من المبادرة إلى الخير قيمة إيمانية عظيمة، ويؤكد أن كل جهد يبذل في سبيل خدمة الآخرين هو رصيد مدخر عند الله تعالى.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
"خير الناس أنفعهم للناس".
وقال أيضاً:
"من مشى في حاجة أخيه المسلم كتب الله له بكل خطوة حسنة".
أما أهل البيت عليهم السلام فقد أولوا خدمة الناس عناية خاصة، وعدّوها من أفضل القربات إلى الله تعالى.
فقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال:
"قضاء حاجة المؤمن خير من ألف حجة متقبلة".
وروي عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام:
"إن لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة".
ومن هنا فإن كل ساعة يقضيها معلم متطوع مع يتيم، وكل جهد يبذله مدير مدرسة لتحسين واقع مدرسته، وكل متابعة يقوم بها متبرع أو داعم أو متطوع، إنما تمثل لبنة في بناء مشروع إنساني كبير، لا يقتصر أثره على الحاضر فحسب، بل يمتد ليصنع جيلاً صالحاً نافعاً لوطنه ومجتمعه.
إن مدارس التضامن لا تحتاج إلى الأموال فقط، بل تحتاج أيضاً إلى أصحاب الرسالة، وأصحاب الرسالة موجودون ما دام في المجتمع رجال ونساء يؤمنون بأن خدمة اليتيم شرف، وأن رسم الابتسامة على وجه طفل فقد أباه هو من أعظم أبواب القرب إلى الله تعالى.
وإذا كانت المؤسسات الإنسانية تقوم على الأنظمة والبرامج والخطط، فإن روحها الحقيقية تبقى في أولئك المتطوعين المجهولين الذين يعملون بصمت، ويمنحون من وقتهم وجهدهم دون انتظار شكر أو ثناء، ابتغاء مرضاة الله وخدمة لهذه الشريحة العزيزة.
فهنيئاً لكل من ساهم في هذا الطريق المبارك، وهنيئاً لمدارس التضامن وهي تحتضن هذه النماذج المضيئة التي تؤكد أن الخير لا يزال حياً، وأن العطاء الصادق قادر على أن يصنع الأمل في حياة الأيتام ومستقبلهم.
مـحمـــد الناصري

السادس من محرم الحرام لعام ١٤٤٨ ه