مدارس التضامن: منابر أمل في وجه اليُتم والحرمان

هذه المدارس ليست ملكًا لهيئة، ولا مشروعًا لمؤسسة، بل هي ملكٌ لكل ضمير يريد أن يرى العراق واقفًا بشموخ، يبدأ من دفاتر صغيرة في حقائب أطفال لم يجدوا غيرنا سندًا ولا معينًا.

محمد الناصري

التاريخ
11111111111

ما أسمى اللحظات التي تتهيأ فيها الأبواب لتفتح على نور المعرفة، حين تنبض حجرات الصفوف بأصوات الطفولة التي لم تطفئها رياح اليتم، ولم تُسكتها قسوة الحرمان. في ذي قار، حيث التاريخ يشهد بأن كل نخلة قامت على جهد، وكل حضارة نهضت من بين ضفاف الألم، هناك من يعيد للحياة معناها، ومن يجعل للعلم طريقًا يعبُر به الأيتام من ظلام الحاجة إلى ضوء الكرامة.

 

إنّ استعدادات مبرّات التضامن لرعاية وتأهيل الأيتام للعام الدراسي الجديد ليست مجرّد صيانة جدران، ولا ترتيب مقاعد، ولا أرقاماً تُسجّل في دفاتر، بل هي ملحمة من الإيمان العميق بأنّ بناء الإنسان أسبق من بناء العمران، وأنّ اليد التي تمسح دمعة طفلٍ محروم هي ذاتها التي ترسم ملامح وطنٍ حرّ كريم.
مدارس لا تدرّس الحروف فقط… بل تكتب الحلم
إنّ كل صفّ يُفتح اليوم في مدارس التضامن هو أكثر من حجرة دراسية، إنّه وطن صغير يتسع للأمل، وسقف يظلّل كرامةً لا تُشترى، وطاولة تُهيأ لتخطّ عليها قصة جديدة عنوانها: "كنتُ يتيماً… فأصبحتُ إنساناً يملك الحياة". وما هذه الاستعدادات إلا امتداد لعهدٍ قُطع على النفس: أن يظل اليتيم في قلب المجتمع، لا على هامشه.
التعليم… حصن اليتم وقلعة الكرامة
ليس الأمر مجرّد تجهيز زيّ مدرسي، ولا جمع مبلغ بسيط لتأمين حذاء، بل هو حرب حضارية ضد الجهل، ومعركة يومية ضد الفقر والتهميش. فكل كتاب يُفتح بين يدي يتيم هو سلاحٌ في وجه اليأس، وكل جملة يتعلمها طفلٌ بلا أب هي رصاصة أمل تُطلق على عدوّ الحياة القاسية.
رسالة إلى المجتمع… شاركونا بناء الغد
إنّ المبرّات، وهي تخطّ هذه الاستعدادات، لا تعمل في عزلة، بل تفتح ذراعيها لكل قلب حيّ يرى في رعاية اليتيم فريضة أخلاقية، وسلوكًا حضاريًا، ووصيةً نبويةً تُعيد للأمة رشدها. فهذه المدارس ليست ملكًا لهيئة، ولا مشروعًا لمؤسسة، بل هي ملكٌ لكل ضمير يريد أن يرى العراق واقفًا بشموخ، يبدأ من دفاتر صغيرة في حقائب أطفال لم يجدوا غيرنا سندًا ولا معينًا.
الخاتمة
وهكذا، فيما ينشغل الكثيرون بضجيج السياسة وصخب الدنيا، هناك من يشتغل بصناعة الأمل، من يحرّك الطين ليصوغ منه قلوبًا تتعلم، وأحلامًا تنمو. وحين يفتح العام الدراسي الجديد أبوابه، ستكون في كل حجرةٍ من حجرات التضامن قصة انتصار صغيرة… انتصار الحياة على اليتم، وانتصار العلم على الحرمان.

محمد الناصري