الشيخ محمد مهدي الناصري: التجديد سرّ بقاء المشاريع الخيرية

محمد الناصري

التاريخ
548048512_1087178546906737_3151242593569124945_n

في صباح يفيض بالهدوء، اجتمع ثلة من العاملين في مكتب مبرات التضامن لرعاية وتأهيل الأيتام مع سماحة الشيخ محمد مهدي الناصري. لم يكن اللقاء محكوماً بالرسميات الجافة، بل اتخذ طابع البوح والتأمل، حيث يلتقي الفكر مع التجربة، والذاكرة مع الحاضر.

افتتح الشيخ كلامه قائلاً:
"العمل الخيري، إذا بقي أسيراً للقوالب الموروثة دون تجديد، فإنه يذبل ويضعف، لا بد له أن يتنفس هواء الأفكار الجديدة، وأن ينفتح على التجارب الناجحة في المجتمعات الأخرى. وهذا ما تعلمته من سيرة والدي، آية الله الشيخ محمد باقر الناصري، رحمه الله."
ثم استعاد بذاكرته مشهداً مضى عليه أكثر من نصف قرن:
"في ستينيات القرن الماضي، حين زار والدي لبنان، التقى هناك بالسيد موسى الصدر (رضوان الله عليه). وقد أُعجب بما شاهده من مشاريع خيرية واجتماعية لم تكن مألوفة في بيئتنا العراقية آنذاك. مؤسسات حيوية، وأنشطة واسعة، وروح تنظيمية مختلفة. فسأله الشيخ الوالد : هذه الأفكار غريبة عن مجتمعاتنا، من أين جاءت؟ فأجابه السيد الصدر: لقد أخذنا كثيراً منها من إخوتنا المسيحيين الذين انفتحوا على ثقافات العالم وتجارب الشعوب، ثم وظفوها لخدمة مجتمعهم."
توقف الشيخ برهة، ثم تابع:
"عاد والدي إلى الناصرية وهو يحمل في قلبه بذور مشروع جديد. كان يدرك أن العاطفة وحدها لا تبني، وأن الرؤية المتجددة هي التي تمنح الاستمرار. فطرح حينها فكرة (المبرّات) كصيغةِ مؤسساتيه لرعاية الأيتام والمحتاجين.
لم يكن الاسم اعتباطياً، بل كان قرآنيّاً في جوهره، ينطوي على معنى العطاء المقرون بالبر والتقوى."
وبنبرة ذات مغزى أضاف:
"من هنا علينا أن ندرك أن التجديد في الفكر الخيري ليس خروجاً عن الأصالة، بل هو تأكيد لها. فالقرآن الكريم يوجّهنا إلى الاعتبار بتجارب الأمم، ويحثنا على الأخذ بالحكمة حيثما وجدت. وما دام الهدف خدمة الإنسان وصون كرامته، فإن كل فكرة نافعة هي رصيد لنا، مهما كان مصدرها."
وانتهى المجلس كما بدأ، بكلمات هادئة لكنها عميقة، ترسخ في الوجدان معنى أن العطاء لا ينفصل عن الفكر، وأن رعاية الأيتام والمجتمع لا تتحقق إلا بعقل متجدد وروح مؤمنة بأن الخير رسالة تتوارثها الأجيال.

محمد الناصري