«مبرات التضامن»... اسمٌ بدأ بوثيقة قبل أن يصبح مشروعًا /الحلقة الرابعة

التاريخ
742324594_1324220803202509_2403919397794755687_n

سلسلة فلسفة مبرات التضامن

قراءات قرآنية وفكرية في رعاية وبناء الإنسان
الحلقة الرابعة
«مبرات التضامن»... اسمٌ بدأ بوثيقة قبل أن يصبح مشروعًا
"الأفكار العظيمة لا تبدأ ببناءٍ يُشيَّد، وإنما تبدأ بفكرةٍ تُؤمن بها النفوس، ثم تُوثَّق، ثم يأتي الزمن ليحولها إلى واقع."
إن المشاريع الرسالية لا تبدأ ببناءٍ يُشيَّد، ولا بمؤسسةٍ تُفتتح، وإنما تبدأ بفكرةٍ صادقة، تحملها العقول المؤمنة، ثم تتحول إلى رؤيةٍ مكتوبة، حتى يأتي اليوم الذي تنبض فيه بالحياة على أرض الواقع.
وهكذا كانت «مبرات التضامن».
فقد ظن كثيرون أن هذا المشروع ولد يوم افتتحت أول مبرة لرعاية الأيتام، غير أن الوثائق التاريخية تثبت أن ولادته كانت أسبق من ذلك بعقود، وأنه بدأ فكرةً مؤسسية قبل أن يصبح مشروعًا ميدانيًا.
وتنقل الشهادات الشفوية الموثقة عن أسرة المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، وفي مقدمتها شهادة نجله السيد محمد رضا الناصري، أن الشيخ تعرّف خلال زيارته إلى بلاد الشام، ولا سيما لبنان، في مطلع ستينيات القرن الماضي، على مصطلح «المبرات»، وهو مصطلح كان متداولًا في المجتمع اللبناني، وتستخدمه المؤسسات الإنسانية والخيرية بمختلف توجهاتها، الإسلامية والمسيحية، بوصفه عنوانًا لأعمال البر والإحسان وخدمة الإنسان.
ولم يكن إعجاب الشيخ بهذا المصطلح إعجابًا بالاسم فحسب، بل بما يحمله من رسالة إنسانية عميقة، فرأى فيه التعبير الأقرب للمشروع الذي كان يحمله في فكره، والقائم على بناء الإنسان، ورعاية اليتيم، وتأهيله ليكون عنصرًا صالحًا في مجتمعه.
وحين عاد إلى العراق، لم يترك الفكرة حبيسة الذاكرة، بل جعلها جزءًا من مشروعه الإصلاحي، فأسس مع ثلةٍ من المؤمنين جمعية التضامن الإسلامي، التي نالت المصادقة الرسمية من وزارة الداخلية العراقية بتاريخ 17 كانون الثاني 1963.
وهنا تقف الوثيقة التاريخية شاهدةً على صدق الرؤية؛ إذ نصّت المادة الثانية من النظام الداخلي للجمعية على أحد أهدافها الرئيسة، وهو:
«العمل على إنشاء مبرات لرعاية وتأهيل الأيتام، والاهتمام بشؤون تغذيتهم وتعليمهم وتربيتهم وإكسائهم بحدود إمكانيات الجمعية.»
إن هذا النص يحمل دلالات عميقة تتجاوز كونه مادة قانونية؛ فهو يكشف أن المؤسس لم يكن ينظر إلى اليتيم بوصفه محتاجًا إلى معونة مؤقتة، بل إنسانًا يحتاج إلى مشروع متكامل يبدأ من توفير احتياجاته الأساسية، ويمتد إلى تعليمه، وتربيته، وتأهيله، ليصبح قادرًا على بناء نفسه وخدمة مجتمعه.
ومن اللافت للنظر أن النظام الداخلي لم يستخدم كلمة الرعاية وحدها، بل قرنها بـ التأهيل، ليؤكد منذ عام 1963 أن الغاية ليست إعالة اليتيم، وإنما إعداد إنسان يمتلك العلم، والأخلاق، والثقة بالنفس، والقدرة على المشاركة في بناء المجتمع.
كما أن الوثيقة لم تغفل الجوانب الأساسية في حياة اليتيم، فجعلت التغذية، والتعليم، والتربية، والإكساء أركانًا أصيلة في المشروع، وهو ما يعكس رؤية تربوية وإنسانية متقدمة سبقت كثيرًا من المفاهيم الحديثة في رعاية الطفل.
لقد بقيت هذه الفكرة حاضرةً في وجدان مؤسسها سنوات طويلة، حتى بدأت خطواتها الأولى في المهجر خلال أوائل تسعينيات القرن الماضي، ثم أذن الله لها أن ترى النور على أرض العراق بعد عام 2003، بتأسيس أول مبرة في قضاء الجبايش بمحافظة ذي قار، لتبدأ بعدها رحلة انتشار مبرات التضامن، حاملةً الرسالة نفسها التي كُتبت في النظام الداخلي قبل أكثر من ستة عقود.
إن هذه الوثيقة تؤكد لنا أن «مبرات التضامن» لم تكن اسمًا اختير بعد نجاح المشروع، بل كانت جزءًا من فلسفته منذ لحظة التأسيس، وأن المشروع سبق الواقع بسنوات طويلة، لأن أصحاب الرسالات يكتبون أحلامهم في الوثائق قبل أن يبنوها بالحجارة.
لقد بدأت فكرةً... ثم أصبحت وثيقةً... ثم تحولت إلى مشروع... وما زالت تصنع الإنسان.
يتبع...
الحلقة الخامسة: من الفكرة إلى الواقع... كيف خرجت "مبرات التضامن" من صفحات النظام الداخلي إلى أول مبرة على أرض العراق؟
بقلم: محمد الحسيناوي
المصادر

القرآن الكريم.

النظام الداخلي لجمعية التضامن الإسلامي، المصادق عليه من وزارة الداخلية العراقية بتاريخ 17/1/1963.

الشهادات الشفوية المنقولة عن أسرة المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، وفي مقدمتها شهادة السيد محمد رضا الناصري.

وثائق مكتب مبرات التضامن لرعاية وتأهيل الأيتام.