في المهجر... وُلدت التجربة الأولى لمبرات التضامن/الحلقة الخامسة

التاريخ
111111

سلسلة فلسفة مبرات التضامن

قراءات قرآنية وفكرية في رعاية وبناء الإنسان

الحلقة الخامسة

في المهجر... وُلدت التجربة الأولى لمبرات التضامن

الكاتب: محمد الحسيناوي

لم تولد التجارب الإنسانية الكبيرة من فراغ، ولم تكن مبرات التضامن استثناءً من ذلك. فما نراه اليوم من مدارس ومبرات ومشاريع تربوية لم يبدأ ببناءٍ أو مؤسسة، وإنما سبقته سنوات من العمل الخيري، والتفكير، والبحث عن أفضل السبل لخدمة اليتيم وصناعة مستقبله.

ويروي سماحة الشيخ أسامة الناصري، نجل المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، وأحد المشاركين في تأسيس التجربة الأولى للمبرات، أن البدايات سبقت ولادة المبرات بسنوات.

ففي أوائل تسعينيات القرن الماضي، كانت تصل مبالغ مالية متواضعة لدعم العوائل العراقية المحتاجة في المهجر، وكان الشيخ أسامة الناصري يتولى متابعة إيصالها إلى مستحقيها. وكانت هذه الأموال يقدمها والده المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري، وأخوه سماحة الشيخ محمد مهدي الناصري، والسيد محمد رضا الناصري، وأخوهم أبو أيمن، إلى جانب عدد من أهل الخير.

وكانت هذه المساعدات تصل إلى مستحقيها بالتعاون مع الحاج أبو أحمد الهاشمي، والأخ أبو عباس كريم دشر، والشيخ أحمد ظاهر الشويلي (أبو إبراهيم)، والسيد عباس البكّاء، وآخرين، ضمن عملٍ خيري شمل مساعدة العوائل المتعففة، ودعم الطلبة، والمساهمة في مشاريع الزواج، ورعاية المحتاجين من أبناء الجالية العراقية في مدينة قم ومخيمات العراقيين.

ومن خلال هذا العمل اليومي، نشأت فكرة جديدة.

ففي أحد اللقاءات التي جمعت الشيخ أسامة الناصري بالمغفور له الشيخ أحمد ظاهر الشويلي (أبو إبراهيم)، دار الحديث حول واقع الأيتام، وكيف أن كثيراً من المشاريع كانت تقتصر على منحهم رواتب أو مساعدات مالية، بينما يبقى اليتيم بحاجة إلى من يبني شخصيته ويؤهله للحياة.

واتفق الاثنان على أن المشروع المنشود لا ينبغي أن يكون مشروع إعانات مالية فحسب، وإنما مشروعاً تربوياً وتعليمياً وتأهيلياً، يجمع الأيتام في مكان واحد، ويوفر لهم دروس التقوية بحسب مراحلهم الدراسية، والدروس الأخلاقية والدينية، إلى جانب دورات مهنية في الحاسوب والخياطة والحلاقة وغيرها من المهن التي تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم في المستقبل.

كانت الفكرة واضحة، لكن تنفيذها لم يكن سهلاً، إذ إن القوانين النافذة آنذاك في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تكن تسمح بفتح مدارس مخصصة للجاليات العراقية، الأمر الذي دفع أصحاب الفكرة إلى البحث عن بديل يحقق الهدف، فاستقر الرأي على إقامة دورات تعليمية وتأهيلية، ينتظم فيها الأيتام بحسب أوقات دوامهم المدرسي، فيحضر من كان دوامه صباحاً خلال الفترة المسائية، ومن كان دوامه مساءً خلال الفترة الصباحية، مع برامج تربوية وأخلاقية ومهنية متكاملة.

بعد اكتمال ملامح الفكرة، عرض الشيخ أسامة الناصري المشروع على والده المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري، فاستحسن الفكرة، وقدم جملة من التوجيهات والنصائح، وأعلن دعمه لها.

بعدها بادر الشيخ أسامة الناصري إلى الاتصال بأخيه سماحة الشيخ محمد مهدي الناصري، فعرض عليه تفاصيل المشروع، فكان من أوائل الداعمين له، وشجع على المباشرة به، وتولى متابعة الجانب التنفيذي، كما اتصل بأخيه السيد محمد رضا الناصري، الذي أعلن موافقته ودعمه، ثم جرى التداول مع بقية الإخوة والعاملين، فحظيت الفكرة بتأييد الجميع، وبدأ العمل لتحويلها إلى واقع.

وبالإمكانات المالية البسيطة المتوفرة آنذاك، تم استئجار أول مقر للمشروع في مدينة قم المقدسة، بالقرب من مرقد السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، مع توفير وسائل نقل للأيتام، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، لتبدأ بذلك أول تجربة عملية لمبرات التضامن.

ولم يقتصر المشروع على التعليم، بل خُصصت غرفة للباحث الاجتماعي بإشراف الأستاذ محمد الزهيري، وهو من خريجي علم النفس، لمتابعة أوضاع الأيتام الاجتماعية والنفسية، في خطوة عكست الفهم المبكر بأن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم وحده.

ومع توسع التجربة، التحق بالمشروع عدد من المتصدين للعمل الإسلامي والخيري، منهم الحاج أبو أبرار أحمد يونس، والسيد عباس البكّاء، والحاج أبو أحمد الشمري، والمرحوم الحاج أبو جعفر الطهراني، إلى جانب عدد آخر من المؤمنين الذين أسهموا في استمرار المشروع وتطويره.

وبعد نحو عام من نجاح التجربة الأولى، اتخذ قرار بفتح مركز ثانٍ في مدينة ديزفول جنوب إيران، بالقرب من مخيمات العراقيين، وبالتعاون مع إمام جمعة المدينة، وعدد من أهل الخير، وفي مقدمتهم الحاج عيسى بن الحاج عبد غصاب، أحد أبناء مدينة الناصرية، واستمرت هذه التجربة عدة سنوات، مع التفكير بالتوسع إلى منطقة ثالثة.

ومع سقوط النظام البائد عام 2003، عاد الشيخ أسامة الناصري إلى العراق برفقة المغفور له الشيخ أحمد ظاهر الشويلي، والسيد عباس البكّاء، والأخ أبو نور جبار عبد، والأخ يحيى المشرفاوي، وعدد من الإخوة، للاطلاع على الأوضاع العامة في محافظة ذي قار، قبل وصول المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري بأيام.

وفي تلك المرحلة، أصبح استمرار المشروع في إيران أمراً بالغ الصعوبة، فكان القرار بنقل التجربة إلى العراق.

ويذكر الشيخ أسامة الناصري أنه في تلك الفترة عرض أحد المشايخ من دولة البحرين شراء الدار التي كان المشروع يعمل فيها، فتم بيعها، وخُصص ثمنها لشراء دار في مدينة الناصرية، لتكون النواة الأولى لانطلاق المشروع داخل العراق.

وعندها وجّه المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري بأن تكون أول مبرة للتضامن في قضاء الجبايش، وفاءً لما قدمه أبناء القضاء من تضحيات كبيرة خلال سنوات الاستبداد، واحتضاناً لأبناء الشهداء والمضحين.

ومن الجبايش بدأت أول مبرة للتضامن في العراق، ثم امتدت التجربة إلى بقية الأقضية والنواحي، حتى أصبحت مبرات التضامن مشروعاً تربوياً وإنسانياً متكاملاً، يضم اليوم عشر مدارس ابتدائية وثلاث مدارس متوسطة للبنات، إلى جانب مئات الطلبة الذين واصلوا مسيرتهم في المراحل الدراسية اللاحقة، لتتحول فكرة ولدت في المهجر إلى صرح تربوي يخدم أبناء العراق.

المصدر :-
اعتمدت هذه الحلقة على شهادة سماحة الشيخ أسامة الناصري، أحد المشاركين في تأسيس التجربة الأولى لمبرات التضامن في المهجر، والتي أدلى بها للكاتب، وشكلت المصدر الرئيس في توثيق أحداث هذه المرحلة.
يتبع...
الحلقة السادسة..
من مبرةٍ واحدة... إلى مشروعٍ تربوي رائد
كيف تحولت التجربة الأولى في الجبايش إلى شبكة من المبرات والمدارس؟ ومن حمل مسؤولية التوسع؟ وما التحديات التي واجهت المشروع في سنواته الأولى حتى أصبح يحتضن اليوم آلاف الأيتام؟

محمد الحسيناوي