سلسلة: فلسفة مبرات التضامن قراءات قرآنية وفكرية في رعاية وبناء الإنسان الحلقة الثالثة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ حين تحوّل الجواب القرآني إلى مشروع حضاري
التاريخ

سلسلة: فلسفة مبرات التضامن
قراءات قرآنية وفكرية في رعاية وبناء الإنسان
الحلقة الثالثة
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾
حين تحوّل الجواب القرآني إلى مشروع حضاري
لم يبدأ القرآن الكريم حديثه عن اليتيم بالأموال، ولا بالصدقات، ولا بالإعانات، بل بدأه بسؤال يحمل في طياته قلق المجتمع كله:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ﴾.
إنه سؤال لا يتعلق بفردٍ فقد أباه، بل بمستقبل إنسان، وبمسؤولية أمة، وبكيفية صناعة جيلٍ قد حُرم من أعظم سندٍ في حياته.
وكان المنتظر أن يأتي الجواب بتفصيلٍ في النفقة أو الكسوة أو المأوى، لكن القرآن اختزل الطريق كله بكلمة واحدة، فقال:
﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾.
وهنا تكمن عظمة المنهج القرآني.
فالقرآن لم يجعل قضية اليتيم قضية إعانة، بل جعلها قضية إصلاح.
والفرق بين الكلمتين كبير.
فالإعانة قد تُطفئ حاجةً مؤقتة...
أما الإصلاح فإنه يبني إنساناً قادراً على مواجهة الحياة.
الإعانة قد تنتهي بانتهاء المال...
أما الإصلاح فيبقى أثره ما بقي الإنسان.
ولهذا لم يستخدم القرآن تعبيراً مادياً، بل اختار لفظاً يحمل معنى البناء والتغيير والنهوض.
إن الإصلاح يبدأ من داخل الإنسان، ثم ينعكس على سلوكه، وعلمه، وأخلاقه، وشخصيته، حتى يصبح فرداً صالحاً ومصلحاً في مجتمعه.
ومن هنا نفهم أن اليتيم في الرؤية القرآنية ليس مشروع شفقة، وإنما مشروع نهضة.
فكل يدٍ تمتد إليه ينبغي أن ترفعه، لا أن تُبقيه معتمداً عليها.
وهذه القراءة العميقة للآية كانت من أبرز المعاني التي أدركها المغفور له آية الله الشيخ محمد باقر الناصري (طيب الله ثراه)، فلم يتعامل مع اليتيم بوصفه مستحقاً للعطاء فحسب، بل بوصفه إنساناً يستحق أن يُعاد بناء مستقبله.
ومن هنا لم تكن مدارس المبرات أماكن لتعليم القراءة والكتابة فقط، بل كانت مشروعاً لإصلاح الإنسان.
فالإصلاح في مفهومها يبدأ من المدرسة...
ويمر بالتربية...
ويتعزز بالقيم...
وينمو بالعلم...
ويكتمل بالتأهيل...
حتى يصبح اليتيم قادراً على أن يكون عضواً فاعلاً في أسرته ووطنه ومجتمعه.
ولعل أجمل ما في الآية أنها لم تقل: "أصلحوهم"، وإنما قالت:
﴿إِصْلَاحٌ لَّهُمْ﴾.
وهذا التعبير القرآني يحمل دلالة بليغة؛ فالإصلاح ليس ما نريده نحن لهم، بل ما يكون خيراً لهم، وينسجم مع حاجاتهم، ويحفظ كرامتهم، ويصنع مستقبلهم.
وهنا تتحول الرعاية من واجبٍ اجتماعي إلى رسالةٍ حضارية.
ويتحول التعليم من تلقينٍ إلى بناء.
ويتحول اليتيم من متلقٍ للرعاية إلى إنسانٍ قادر على أن يحمل رسالة الإصلاح في مجتمعه.
إن الأمم لا تُقاس بكثرة ما تنفق على الأيتام، وإنما تُقاس بقدرتها على أن تجعل منهم علماء، ومربين، وأطباء، ومهندسين، ومصلحين، يحملون الخير للناس.
وهذا هو الإصلاح الذي أراده القرآن...
وهو الإصلاح الذي سعت إليه مبرات التضامن منذ تأسيسها، لتكون مدرسةً في بناء الإنسان قبل أن تكون مؤسسةً لرعاية اليتيم.
إن هذه الآية الكريمة لا تقدم حكماً شرعياً فحسب، بل تضع أمام الأمة مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان، وهو المشروع الذي ما زال بحاجة إلى أن يُقرأ، ويُفهم، ويُترجم إلى واقعٍ عملي في كل زمان.
بقلم: محمد الحسيناوي
يتبع...
الحلقة الرابعة
لماذا سُمِّيت "مبرات التضامن"؟ قصة اسمٍ بدأ بفكرة... ثم أصبح مشروعاً لصناعة الإنسان.
أخر النشاطات
سلسلة: فلسفة مبرات التضامن /قراءات قرآنية وفكرية في رعاية وبناء...




